أيام قليلة تفصلنا عن الذكرى الخامسة للحادث الأليم الذي غيّر حياة أسطورة الفورمولا 1 مايكل شوماخر، ففي الـ 29 من كانون الأول سيستذكر العالم بأسره بطلاً غاب عن الساحة العالمية بعد حادث خطر تعرض له خلال تزلجه على الثلج في جبال الألب بفرنسا.
الغموض الكبير الذي يخيّم على وضع أشهر سائق في عالم الفومولا 1 الصحي يأتي نزولاً عند رغبة زوجته كورينا، التي طلبت من أفراد العائلة والأصدقاء عدم التصريح أو نشر أي شيء يتعلق بحالته وذلك احتراماً لخصوصية شوماخر، وكان لها ذلك، فالعالم الخارجي، الذي يضج بالحياة بالقرب من قصر شوماخر في مدينة غلاند السويسرية، الذي يتعافى فيه بهدوء، لا يعلم شيئاً عن حياة النجم الشهير، مع العلم أن العديد من محبي رياضة المشي يسيرون على مقربة كبيرة من القصر، الذي تقدّر قيمته بأكثر من 63 مليون دولار أميركي.
ابتعاد شوماخر عن العالم الخارجي أفسح المجال أمام تناقل العديد من الشائعات التي طالت وضعه الصحي، إلا أن والده رولف، الذي يزور سويسرا بشكل دائم للاطمئنان على ابنه، دحض كافة الشائعات لاسيما تلك التي تدور حول نقله إلى منزل آخر مهيأ لوضعه الصحي الدقيق، قامت زوجته كورينا بشرائه، أو حتى نقله إلى مسشفى متخصص بالأورام الدماغية في أميركا.
ما الذي تغيّر بعد الحادث؟
التطورات الأبرز التي شهدها العالم بعد الحادث المشؤوم الذي تعرض له مايكل شوماخر كانت في عالم سباقات سيارات السرعة الفورمولا 1، فقد كسر الكندي لويس هاملتون رقم شوماخر القياسي بعدد المرات التي تصدرت فيها سياراته حلبة السباقات، إذ تصدر حلبة السباق 83 مرة في حين تصدر شوماخر حلبة السباق 68 مرة، إلا أن أسطورة الفورمولا 1 ما زال متقدماً على هاملتون في عدد السباقات التي فاز بها، إذ بلغت 93 سباق مقابل 73، كما أنه بطل العالم 7 مرات في حين أن هاملتون هو بطل العالم لـ 5 مرات فقط.
من الأمور التي تغيّرت أيضاً هي تقدم ابنه ميك شوماخر في مسيرته المهنية في عالم قيادة سيارات السرعة، فهو بطل سباقات الفورمولا 3 وأمامه مستقبل واعد.
ميك، الذي كان إلى جانب والده لحظة الحادث الأليم، يتحفظ بدوره على وضعه الصحي ومدى تقدمه، إلا أنه كشف في الشهر المنصرم عن علاقته بوالده قبل وقوع الحادث، وقد كان يبلغ من العمر حينها 14 عاماً.
وقد صرّح ميك أن والده كان قد سأله إن كان يرغب في الاحتراف في مجال قيادة سيارات السرعة أو أنه يرغب في أن تكون مجرد هواية، إلا أن ميك أبلغ أنه يرغب في الاحتراف.
وأضاف ميك: "أسعى دائماً إلى مقارنة نفسي بالأفضل، ووالدي هو الأفضل، وهو مثلي الأعلى، وأنا سعيد للغاية بأنني أقارن نفسي بشخص يسعى الكثير من أبطال العالم إلى التمثل به".
هذا وتطرق ميك إلى أجمل لحظات حياته التي قضاها مع والده، بحيث لفت إلى أنه كان يشعر بسعادة عارمة عندما كان يقود سيارات السرعة إلى جانب والده في مضمار الكارتينغ بعد أن يصبح خالياً من الزوار.
تقدّم ميك شوماخر في حياته المهنية يبدو أسرع بكثير من التقدم الصحي الذي يحرزه والده، إلا أن الأكيد، على حد تعبير سبورت – ميل، ان البطل العالمي ليس طريح الفراش ولا يحتاج إلى أجهزة الإنعاش للعيش، وهو يتلقى علاجاً طبياً باهظ الثمن، تقدر تكلفته في الأسبوع الواحد بـ 63 ألف دولار أميركي.
شائعات وتسريبات كارثية
لم يكن هناك أي تصريح رسمي حول حالة شوماخر الصحي طوال الخمس سنوات الماضية، فالتصريح الوحيد الذي تم القيام به كان من قبل محامي شوماخر، فيليكس دام، في العام 2016، إذ قال حينها أنه سيصعب على شوماخر السير من جديد.
وفي العام 2014 شهد العالم أسوء التسريبات التي تتعلق بوضه شوماخر الصحي، والني كان لها عواقب وخيمة. حصل الأمر بعد نقل شوماخر من مستشفى جامعة غرينول إلى مستشفى في لوسان، وذلك بعد أن خضع لعمليتين دقيقتين أنقذتا حياته بقي بعدهما في غيبوبة دامت 5 أشهر. آنذاك، تمت سرقة تقارير سوماخر الطبية وتم بيعها لوسائل الإعلام مقابل 50 ألف دولار أميركي، وقد ألقي القبض على المشتبه فيه، الذي يعمل لصالح مؤسسة ريغا المتخصصة بالانقاذ الجوي والتي قامت بنقل شوماخر من مستشفى إلى آخر، إلا أن المشتبه فيه وجد مشنوقاً في زنزانته قبل استجوابه.
هذا وتم تسريب صورة لشوماخر من داخل منزله من قبل أحد الأصدقاء وعرضها في مزاد علني مقابل أكثر من مليون دولار أميركي، ما اعتبر خرقاً لخصوصية شوماخر، إلا ان الصورة لم تعرض على املأ.
مقابلة استثنائية
المعلومات الوحيدة التي نستقيها عن حياة شوماخر بعد الحادث هي تلك التي تصرح بها المتحدثة باسم العائلة، سابين كيهم، التي لفتت إلى أن العائلة بعد الحادث تعيش صدمة كبيرة لا يمكن وصفها بالكلمات، موضحة السبب وراء التكتم الكبير على وضع شوماخر الصحي، فعلى حد تعبيرها شوماخر كان شديد الفصل بين حياته الشخصية والمهنية، حتى في أوج لحظات نجاح ونصره، واحتراماً لهذا المبدأ قررت عائلته عدم الإفصاح عن وضعه الصحي.
علاوة على ذلك، لا يرغب أحد من أفراد عائلة شوماخر ومن أصدقائه المقربين بتغيير صورة شوماخر المرسومة في ذهن جمهوره كرياضي مليء بالحياة والطموح والإصرار، كما أنهم لا يريدون التأثير عليهم سلباً بأي خبر قد لا يكون ساراً بالنسبة إليهم.
التكتم على وضع شوماخر كسره شخص واحد، وهو رجل الدين جورج غانسوين، المقرب من البابوين فرانسيس وبينيدكتس السادس عشر، والذي زار النجم العالمي في منزله في العالم 2016 نزولاً عند رغبة صديق شوماخر جان تودت، رئيس الـFIA الحالي.
وقد صرّح غانسوين لصحيفة بيلد الألمانية قائلاً: "اولاً تحدثت مع كورينا شوماخر ووالدتها، ثم قام معالج فيزيائي بإدخال شوماخر إلى غرفة الجلوس. عرّفت بنفسي وقلت له أنني من المعجبين السريين به، فغالباً ما أشاهد سباقاته وتذهلني موهبته وقدرته الاستثنائية في التحكم بسيارات السرعة في أي ظرف جوي".
وأضاف: "ألقيت التحية على شوماخر وأمسكت يديه، كانتا دافئتين، هناك مشاعر وكلمات لا يمكن التعبير عنها بالاقوال إلا أن اللمسات تعبّر عنها بوضوح تام. والإمساك بيد المريض تعني الكثير فهي تمده بالطاقة والتعزية".
ماذا بعد مرور 5 سنوات على الحادث؟
كشفت مجلة برافو الألمانية أن الأطباء والطاقم الطبي يعملون على تحضير شوماخر بسرية مطلقة لنقله إلى مركز متخصص في معالجة الإصابات الدماغية بدالاس، الأمر الذي لم تعلّق عليه عائلة شوماخر.
هذا وسيتم الكشف قريبا عن مخططات العائلة المستقبلية، إلى ذلك الحين أعربت المتحدثة باسم العائلة سابين كيهم أن أفضل هدية يمكن منحها لشوماخر وعائلته في عيده الخمسين هي تذكره كأفضل رياضي وصاحب الأرقام القياسية في سباقات السرعة، فالأكيد أن شوماخر لا يسعى إلى الحصول على تعاطف من حوله، هو الذي لطالما صرّح بأهمية عدم الاستسلام وبأنه على الفرد مواصلة الكفاح والقتال حتى في حالات قد يُفقد فيها الأمل.
فيراري تكرّم الأسطورة في عيده الخمسين
بغض النظر عن وضع شوماخر الصحي، الأكيد أنه في الـ 3 من كانون الثاني سيحتفل البطل بعيده الخمسين وسط عائلته وأصدقائه وبعيداً عن عدسات الكاميرا والعالم.
وفي هذه المناسبة الذهبية، أعلنت فيراري انها ستفتتح معرضاً استثنائياً خاصاً ببطلها، تقديراً لإنجازاته وامتناناً لأكثر السائقين نجاحاً في تاريخ فيراري.
يُذكر أن شوماخر حقق معظم نجاحاته في الفورمولا 1 مع فيراري حيث انه فاز بخمس بطولات من اصل السبعة معها ما بين 2000 و 2004.