تسجل

كيف إستطاعت الشركات دفع الناس إلى حالة من الهوس بالعلامات التجارية؟

تتطرّق سوزان فورنييه، الخبيرة في الدعاية والتسويق، في دراستها في العام 1998 إلى مفهومها للعلاقة بالعلاقة التجاريّة، وتؤكّد أنّ الأمر ليس مجرّد مجازاً.
في المقابلة أدناه، تعود فورنييه بالزمن إلى رحلتها الرائعة، أساس أطروحتها، وتناقش كم أثرت دراستها على تصرّف المستهلك وسبب إحتقارها لحرص المجتمع على مساواة الحالة الماديّة بتلك الإستهلاكيّة.
كيف تمّ هذا البحث؟
منذ عشرين سنة خلت، رقيت إلى منصب نائب الرئيس لشأن علاقة المستهلك بالمنتج لدى "يونغ وروبيكام"، وهي وكالة إعلان مشهورة في نيويورك. ترتّب عليّ نقل العلاقة التسويقيّة الثوريّة والنموذجيّة القائمة بين الشركات ورجال الأعمال إلى  عالم التسويق الخاصّ بالمستهلك.
لكنّني توصلت بعد أسبوعين إلى إدراك تامّ أنّه يتحتّم عليّ ابتكار الأطر والمفاهيم التي أحتاجها للقيام بعملي. لذا لجأت إلى برنامج الدكتوراه في جامعة فلوريدا بغية القيام بتطوير ذاتي للبحث الخاصّ بنظرية علاقة المنتج بالمستهلك.  
كانوا يقولون باستهزاء: "للناس علاقات بالأصناف التجارية جامدة، أليس كذلك؟! أنت تمزحين بلا شك!"
الوسائل التي اتّبعتها من أجل إلقاء الضوء على بحثي الفريد أقلقتهم أيضاً.   

ماذا كنت تأملين أن تحققي؟
بالأساس، كانت الأهداف من هذا البحث تقوم على بعدين. أردت التحقيق في حقيقة قيام علاقة بين الناس والأصناف التجارية، وبأيّة طرق، وللتصريح عن الممارسات التسويقيّة من منظار العلاقات التي كانت غائبة في ذلك الوقت. أردت أيضاً أن أدعم التقدّم المنهجي في الأبحاث المتعلقة بالمستهلك، من خلال تطوير نظريّة معمّقة، تقوم على أساس الحوارات مع المجتمع.
كيف تمّت مقاربة الأصناف التجارية في ذلك الوقت؟
قبل نشر هذا البحث، كان الفكر الأكاديمي المتعلّق بالأصناف التجارية وسلوكيّات المستهلكين تجاهها ينحو إلى الإلتزام بالمبادئ الإقتصادية والمعرفيّة.
كانت الأصناف التجارية مجرّد مجموعات تابعة لمنتج ويتمّ استخدامها عند اتّخاذ القرار. تلك الأصناف ساعدت الناس في تشكيل فكرة عن نوعيّة المنتج والتخفيف من المخاطر وتوفير الوقت. بدا هذا الأمر رجعيّاً للغاية، متمحوراً حول الشركة والرأي المرتكز على فوائد الإقتصاد في مقابل التكاليف. 
ورغم أنه مفيد وغير ضارّ بالتأكيد، أوجد الإهتمام المفرط بعلم النفس التجريبي والإقتصاد شيئاً مهماً بعيداً عن معادلة العلامات التجارية، أي العنصر العاطفي والثقافي والإجتماعي والنفسي للمستهلكين وعلاماتهم التجارية.
مساهمة أخرى جاءت من ثورة في التسويق، بحيث حدث تحوّل في نمط العلاقة.
إنّ المفاهيم المتعلقة بغنى العلاقات كالولاء والرضا والاعتماد المتبادل والإلتزام والثقة أخذت مركز الصدارة. لكنّ المشكلة كمنت في أنّ الفكر العلاقاتي طبّق فقط في سياق علاقات الشركات ببعضها كالموردين والمشترين، على سبيل المثال. كانت العلاقات محسومة ضمنياً، وقامت من خلال إحياء شراكات فرديّة. لم يفكّر أحد من قبل بإمكانية حدوث علاقات مع علامات تجارية جامدة.
بالرجوع إلى أطروحتي، تجد أنّ نظرتي إلى العلاقات ساهمت في تنظيم البعد الإجتماعي- العاطفي والرمزي لعلامات المستهلكين التجارية، فضلاً عن تنظيمها وإعطائها معنى.

إلى أي مدى تطوّرت معرفتنا بالعلاقة بالعلامات التجارية منذ ذلك الحين؟
حسبما أرى الأمر، قدّمت الورقة الأصلية لـ "المستهلكون وعلاماتهم التجارية" عدّة معطيات، ساهمت ليس فقط بتحويل الفكر الترويجي ووجهات النظر، إنما أيضاً بإنتاج نواح فرعية في البحث. لقد أصبحت العلامات التجارية رموزاً مشبعة ساعدت الناس بتسيير شؤونهم الحياتية.
لقد ساهم هذا البحث في تمهيد الطريق لنموذج الإبتكار المتبادل الذي جعلته تقنية ويب2 ممكناً واحتضنته في تسويق العلامة التجارية اليوم.
مال المسوّقون إلى التفكير فقط بالصّلات القوية على حساب تلك الضعيفة، حيث كان المستهلكون غاية بالإلتزام على المدى الطويل. وهناك إطار لعلاقة معقّدة تقوم جنباً إلى جنب مع ما يسمّى بـ "زيجات العلامات التجارية" لتشمل الصداقات المفضّلة وصداقات الطفولة والعلاقات المؤقتة.
الأهمّ من ذلك أنّ هناك علاقات غير متناغمة لاقت القليل من إهتمام البحوث: التبعيّات، والزوجات المعتدى عليهنّ، والعبوديّة، والخصوم.
لقد قمنا بتوفير آفاق متعلقة بالمسؤولية الإجتماعية للشركات، وعمليّة التجسيم التي تعطي الحياة للعلامات التجارية. إلا أنه، لا نستغرب وجود ألغاز ما زالت قائمة.
كيف غيّرت هذه الدراسة حياتك؟
ما تأكل يعبّر عن هويّتك. وفي الأوساط الأكاديمية والعمل، أصبحت "الشخص المتخصّص بالعلاقة مع العلامات التجارية".
أن تكون معروفاً في مضمار معيّن هو جانب إيجابي، أمّا الجانب السلبي فهو أن تعجز عن تجاوز هذا الإطار. أبحاثي تعكس بشكل دائم نظرتي إلى الناس في العالم المتمحور حول الإستهلاك، وبالتالي تؤثر أيضاً على التفاعلات بين العلاقات. والجميع مرشحون محتملون في دراستي!

هل أسيء فهم بحثك بأيّ طريقة؟ هل من مضايقين؟
نعم! لأيّ سبب كان، يرفض العديد تقبّل أن يكون للناس علاقة بالعلامات التجارية، فيقولون أنّ العلاقة مجرّد صورة مجازيّة. وإحدى أشكال الرفض المتشدّدة هي الإدعاء أن ليس للناس علاقات بالأصناف التجارية. بالتأكيد، هناك العديد من الأدلّة المدمغة التي تعاكس ذلك، منها هاتف آي فون والسيارات والفرق الرياضية، على سبيل المثال.
لا يرغب النقاد بتشريع علاقة المستهلك بالعلامة التجارية واعتبارها قائمة بحدّ ذاتها. لربّما كان الثقل النفسي الهائل الذي نعلّقه بمفهوم العلاقة في فضاء الأشخاص، ثقلاً يجعل من السيّئ إستخدام المصطلح جنباً إلى جنب مع النزعة الإستهلاكية.
بإمكاننا إستخدام الشعارات ذاتها للبناء على العلاقة بالعلامات التجارية التي تصف العلاقات المتداخلة الموافقة، كالعلاقات المؤقتة وتلك الملتزمة والأصدقاء المقرّبين. وأمكننا الخروج بتسميات فريدة للترويج للعلاقات كـ "أفضل علاقة بالمستهلك". لكنّ الشعارات لا تحوّل هذه الظاهرة إلى ممارسة مجازية بسيطة.

إلامَ توصّلتِ بما يتعلّق بكيفيّة مقاربة الناس للعلاقة مع العلامة التجارية أو بشكل عام مع العمليّة الإستهلاكيّة؟
من السهل جداً في مجتمعنا الإستهزاء بالشخص الذي يقوم بالعلاقات التجارية. ويروّج العديد إلى أنّ في العلاقات مع العلامات التجارية خللاً ما، لأنها تعزّز الماديّة وعدم التسامح والأنانية، وأنّ المستهلكين الذين يتورّطون فيها هم غير منطقيين ومضلّلين. إنّ هذا النّقد لا يأخذ بالإعتبار الثقافة التي نعيش في ظلّها، والتي تعتمد بشكل كبير على الإستهلاك.
في الولايات المتحدة الأميركية، تعتبر السّلع ذات العلامات التجارية الأولى في التصدير، سواء أكانت منتجات أو مشاهير. بإمكاننا انتقاد ذلك والأسف على العواقب، أو تبنيه وفهمه على حقيقته. فهل أنصار أوباما عبء على المجتمع؟ هل حبّ الـ "آي فون" يجعل الثقافة منحطّة؟
في بيئة غريبة، هل يعتبر الركون إلى العلامة التجارية نوع من الخلل؟
أصبحت العلامات التجارية في القرن الحادي والعشرين جزءاً من حياتنا، وعلى المستهلكين والأكاديميين أن يدركوا معنى ذلك، وفي الوقت ذلك ألا يبالغوا في مقاربته.
على سبيل المثال، رغم الأبحاث التي تظهر مراراً وتكراراً أنّ العلاقات هي مجرّد تسهيلات، يستمرّ البعض في جعل العلامة التجارية والعلاقة معها أكثر ماديّةً.
لكنّ علاقة قويّة تنشأ من خلال دعم الناس في عيشهم، وليس من خلال دفعهم إلى التورّط في العلامة. وفي هذا الإطار، يحلو لي القول أنّ الأمر يتعلّق بالناس!