أمضت الأسواق المالية بما فيها السلع معظم الأسبوع في التعافي من الضعف المفاجئ الذي شهدته في تقرير فرص العمل الأمريكي الذي صدر مؤخراً، حيث تراجعت الأسهم الأمريكية إلى أدنى مستوى لها خلال الشهر في حين استمر التباين المفاجئ بين مختلف الدول في أوروبا. إن تباين الأداء القائم إلى الآن بين مؤشر داكس في ألمانيا ومؤشر آيبكس في إسبانيا يدعو للدهشة وقد ثبت الآن عند حاجز 27 %.
وفي هذه الأثناء يُحافظ الدولار على مكانته في ظل الدعم الذي يشهده اليورو والدولار، وهما العملتان الأكثر تداولاً في الأسواق العالمية، في طليعة مستوى الدعم الأهم عند 1.3000. إن الإقبال على شراء اليورو وبيع الدولار الذي شهدته الأسواق حال تأكيد مستوى الدعم ساعد عموماً السلع في استرجاع بعض الضجة التي أحدثتها في وقت متأخر من هذا الأسبوع.
ووجد المضاربون بسوق الذهب أنفسهم في المكان الخطأ في العديد من المناسبات خلال الشهرين الماضيين حيث أن المحرك الرئيسي للذهب كان تواصل الحديث عن مزيد من التحرير الكمي في الولايات المتحدة. إن ضعف النمو في فرص العمل في الولايات المتحدة الذي ظهر مؤخراً حوَّل مجدداً التركيز نحو إمكانية تقديم مزيد من السيولة، مع حصول مزيد من الدعم من جي أف أم أس، وهي إحدى الشركات الاستشارية الرائدة على مستوى العالم في مجال المعادن الثمينة. تنبأت الشركة في مسح الذهب الذي أجرته عام 2012 أن الذهب قد يتخطى حاجز 2,000 دولار بنهاية السنة أو في وقت مبكر من عام 2012 قبل أن يصل إلى ذروته خلال 2013.
إن الأسباب الكامنة وراء استمرار ارتفاع الأسعار بعد الانخفاض الذي شهدته معروفة للجميع وتتمثل في المخاوف المتعلقة بأزمة ديون منطقة اليورو وسلبية العوائد الفعلية وتوقع مزيد من تحرير النقد في الولايات المتحدة. إن وصول الأسعار إلى ذروتها عام 2013 والارتفاع الذي سيلي ذلك سيحدث حالما ترى التوقعات بشأن ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة النور في أرض الواقع. ترى شركة جي أف أم أس أيضاً وبشكل مثير للاهتمام استمرار ازدياد العرض من التعدين والمخلفات بشكل أسرع من الطلب على المجوهرات والمواد الأخرى، الأمر الذي يفسح المجال أمام الوسط الاستثماري لاستلام زمام القيادة لدفع الطلب إلى الأمام. كما تتوقع أيضاً أن يأتي وقت لا يشهد تواجد ما يكفي من المستثمرين، الأمر الذي قد يُعطي إشارة على تحوُّل السوق. تصل السوق إلى الحد الأدنى في المدى القريب عند 1,530 ولكن ذلك لن يحدث إلى أن يتحقق سيناريو انعدام المخاطر حيث يمكن أن يشهد الذهب مزيداً من الانخفاض لفترة من الزمن.
كما وجد المضاربون الفنيون المتمتعين بزخم عالٍ بعض الراحة من ثبات المتوسط الذي شهد حركة كبيرة على مدار 55 أسبوعاً عند 1,647 فاسحاً المجال أمام دعم خط الاتجاه عند 1,625 عام 2008 دون منافسة. إن من غير المتوقع أن تحدث خلال الأيام المقبلة أي توقف للمقاومة عند 1,697 مع تبني الكثير من المستثمرين موقفاً لامبالياً وتعوزه الحماسة تجاه الذهب، بالنظر إلى العديد من إشارات التداول الزائفة التي تولدت خلال الأشهر العديدة الماضية. ومع ذلك، فقد يُجادل البعض في أن ذلك له دلالة واضحة إذا ما انكسر الحد الأعلى بالنظر إلى أن الكثير من صناديق التحوط بقيت ضعيفة الانكشاف علماً أنه كان بإمكانها التفاعل مع ما يجري فيما لو أخذت الصورة الفنية شكلاً أكثر إيجابية.
وبعد الارتفاع الشديد الذي تلا انخفاض الأسعار في يناير شهدت المعادن الصناعية نوعاً من "الفتور" بشأن الإشارات التي ظهرت عن تباطؤ النشاط الاقتصادي في الصين. بعد التداول الجانبي منذ مرحلة مبكرة من فبراير بدأت الأشياء تنحو منحى سلبي بشكل متصاعد خلال الأسبوعين الأخيرين، التي بلغت أوجها في تقرير العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة والذي جاء دون التوقعات الجمعة الماضي، الأمر الذي ساهم أيضاً في خفض التطلع نحو النشاط الاقتصادي وما يستتبع ذلك من طلب.
المتهم الرئيسي في هذا هي الصين. لقد أثارت عمليات بناء مخزونات محلية كبيرة التي جرت مؤخراً لسلع متعلقة بالإنشاءات مثل النحاس والحديد قلاقل بشأن درجة التباطؤ. بالنظر إلى تمثيل الصين في السنوات الأخيرة لأكثر من 40 % من الاستهلاك العالمي وأكثر من 50 بالمائة من نمو الاستهلاك العالمي للمعادن الصناعية الرئيسية، فإن دلائل المستقبل بالنسبة لهذا البلد تشير إلى أنه سيبقى في المدى القريب مفتاح التطورات التي تطرأ على الأسعار.
انخفضت أسعار النحاس، المعدن الأكثر تداولاً، من الناحية الفنية في لندن ونيويورك مع تطلعه الآن إلى الحصول على الدعم. ومع المخاوف القائمة من صعوبة استقرار الأوضاع في الصين وتراجع البيانات الاقتصادية في الولايات المتحدة خلال الربع التالي فقد تشهد الأسعار صراعاً محتدماً في مسعى منها لتهدئة هذه المخاوف. من الناحية الفنية، يتطلع المضاربون إلى دعم عند 8,000 دولار أمريكي للمتر الطني على أل أم ئي في لندن و3.6 دولار أمريكي للباوند على كومكس في نيويورك.
بينما كررت السعودية، وهي أكبر مصدر للنفط على مستوى العالم وحالياً صاحبة الاحتياطي الوحيدة في العالم، تأكيدها على عدم رضاها عن الأسعار الحالية فوق 120 دولار للبرميل. وجاء على لسان وزير النفط السعودي النعيمي قوله أنه ليس هناك أي نقص في العرض مع امتلاء المخزونات في المملكة وفي كل أرجاء العالم. وأضاف أن العربية السعودية مصممة على خفض الأسعار مشدداً على أن بإمكانها إنتاج مزيد من النفط إن طُلب منها ذلك، على الرغم من أنها تنتج حالياً 10 ملايين برميل يومياً، ما يُمثل أعلى مستوى خلال العقود الثلاث الماضية.
كما بذلت وكالة الطاقة الدولية كل ما بوسعها للحد من الارتفاع الذي تشهده أسواق النفط عندما أعلنت أن سوق النفط قد كسر حلقة استمرت على مدار سنتين من ظروف العرض القاسية. ترى الوكالة أن نمو الطلب قد تراجع عندما لجأت العربية السعودية إلى زيادة انتاجها. لذلك، فإن السؤال المطروح هو: أين يذهب كل هذا النفط إذا لم يكن موجهاً للاستهلاك؟ تعتقد الوكالة أن الكثير من فائض النفط يتم تخزينه في الأرض والبحر من قبل العديد من الاقتصادات الناشئة، التي تمتلك غطاء آجلاً متدنٍ ولذلك لديها زيادة في الاحتياطيات الإستراتيجية للحماية من حالات الارتباك المحتملة في العرض.
وتراجع التداول بخام برنت في حين حافظ خام غرب تكساس الوسيط على وضعه، الأمر الذي ساعد في تقليص الفجوة الواسعة بينهما. إن الإسراع في افتتاح خط أنابيب الممر البحري من كوشينغ، حاضنة تسليم خام غرب تكساس الوسيط، إلى خليج المكسيك سيساعد في تخفيف بعض الضغط على القدرة التخزينية في المنطقة، الأمر الذي يساعد خام غرب تكساس الوسيط في العودة ببطء إلى مستوى الأسعار العالمية التي يمثلها خام برنت.
أمضى خام برنت معظم الأسبوع يتطلع إلى دعم ما بين 119 و120 دولار للبرميل وقد تمكن حتى الآن من الحصول على هذا الدعم. إلى أن نشهد تحسناً في الموقف الإيراني، فقد ساد جو من الارتياح أوساط البائعين على المكشوف من الأرباح التي حققوها قبل أن يصل سعر البرميل إلى 119 بالنظر إلى عدم إمكانية خفض علاوة المخاطرة كثيراً قبل ظهور بوادر التوصل إلى حل.