تسجل

خاص رائد: هل من الضروري دمج بورصتي أبو ظبي ودبي؟

يثار في العديد من الأوساط الإعلامية موضوع دمج بورصتي أبوظبي ودبي في كيان واحد، وأن هناك لجنة تدرس ذلك وسوف تقدم تقريرها في نهاية العام في ضوء دراسة السلبيات والإيجابيات.
وإذا رجعنا إلى التاريخ نجد أن نموذج البورصتين في دولة واحدة لم يظهر في المنطقة العربية إلا في مصر، ففي أواخر القرن التاسع عشر أنشأت بورصة الإسكندرية والتي كانت تحاكي بورصة باريس من حيث الشكل، وكان يغلب عليها التداول على السلع وأهمها القطن المصري. وبعد عدة سنوات أنشأت بورصة القاهرة مع بداية القرن العشرين واستمرت  هاتان البورصتان تعملان حتى ستينات القرن العشرين. عندما توقفتا بعد الثورة في مصر وعندما أعيد التداول في عام 1995 تم دمج البورصتين إداريا.

في بقية أنحاء العالم لم تلجأ الدول إلى الدمج بل حرصت على تنويع أماكن التداول، فلكل بورصة لون وطعم خاص بها وتعطي تنوع  للاقتصاد المكاني فعندما تم دمج عدد من البورصات الأوروبية  تحت راية بورصة يورنكست الفرنسية ظلت كل بورصة من البورصات السبع تعمل كما كانت في السابق وأحتفظت بخصوصيتها التاريخية، وتم الدمج أداريا وعلي مستوى الملكية، وليس بألغاء البورصات، وقامت شركة يورنكست بشراء حصة في بورصة نيويورك وتولت السيطرة على الإدارة فيها وظلت بورصة نيويورك هي هي من دون تغيير، وأضيف أسم يورنكست الي اسم بورصة نيويورك. وذالك كون بورصة نيويورك تاريخ لايمكن الاستغناء عليه ولايمكن طمسه في إطار عمليتي الدمج أو الشراء .
بالعودة إلى بورصتي أبو ظبي ودبي، فهما علامتان مهمتان في عالم البورصات العربية، وهما تعكسان التنوع الذي يميز الاقتصاد الإماراتي، صحيح أن أوضاع البورصتين تراجعت من حيث التداول، ناهيك عن اقتصارهما على عدد محدود من الشركات المدرجة ولم يتطور سوق السندات فيهما ولا توجد أدوات متطورة فيهما. ولكن ما يميزهما أنهما تخضعان لسلطة رقابية واحدة وهي هيئة الأوراق المالية والسلع، فأمريكا يوجد فيها العشرات من البورصات وتقريباً في كل ولاية توجد بورصة محلية، ولكنها تخضع جميعها لسلطة رقابية واحدة ويتولي الإيداع والقيد مركز واحد .
أعتقد جازماً أن ماتحتاجه أسواق الإمارات ليس دمج بورصتي أبو ظبي ودبي. بل هناك حاجة ماسة إلى قيام مؤسسة مستقلة واحدة تعنى بالإيداع والقيد المركزي، وتطوير أقسام الإيداع والمقاصة الموجودة حالياً في كل من البورصتين، وقد يحتاج ذلك إلى إصدار تشريع مستقل ينظم عمليات الإيداع والمقاصة والحقوق المترتبة على ذلك، سواء للمستثمرين المحليين أو ألاجانب أو الوسطاء أو الشركات المصدرة، وقد يكون فرصة لإجراء بعض التعديلات القانونية التي تحتاجها البيئة التشرعية المتعلقة بالشركات المدرجة بالبورصات وألادوات الاستثمارية الجديدة التي أصبح لزاماً علينا التعامل معها .
فمركز الإيداع هو الجهة التي تودع فيها سجلات الملاك للأوراق المالية وشهادات الصكوك والسندات وشهادات الإيداع الدولية وهو المسئول عن اثبات الحقوق والقيام بالتصرفات القانونية كالميراث والوصية والنقل العائلي والرهن والحجز، فهو يعمل مثل الشهر العقاري أو دائرة العقارات في إثبات الحقوق والتصرفات.

إذن نحن بحاجة إلى مركز مستقل للإيداع والقيد المركزي تشرف عليه وتراقبه الهيئة وسوف يحل الكثير من الصعوبات ويعزز الشفافية ذلك أن دور البورصات ليس لا يتضمن القيام بعمليات التسوية والتقاص، وعلى سبيل المثال فالذي يقوم بعمليات التسوية والمقاصة بين البنوك هو المصرف المركزي، ناهيك أن  المعايير الدولية تنص على ضرورة فصل مراكز الإيداع عن البورصات وخصوصاً عندما تكون البورصات شركات مساهمة وتتداول أسهمها في البورصة نفسها. وبالنظر إلى سعي أسواق الإمارات إلى اكتساب مكانة عالمية أفضل كمركز مالي مهم بالمنطقة، فأن توحيد الجهود لايجاد جسم مستقل للايداع والقيد المركزي أمر اكثر أهمية من توحيد بورصتي أبو ظبي ودبي، فاتجاه البورصات في العالم يتحول نحو تحولها إلى شركات مساهمة وليس الاندماج .
إذا تحقق ذلك، فان الدعوى إلى دمج البورصتين يكون قد تحقق منها جانبها الأهم ألا وهو دمج أقسام الإيداع في البورصتين وتحويلهما إلى مركز إيداع ومقاصة مستقل يخدم كافة البورصات والشركات في الإمارات، وحتى البورصات التي يمكن أن تظهر في المستقبل .
كما ان فكرة أقامة سوق لتداول الشركات المساهمة المغلقة والعائلية في الإمارات يمكن تطبيقها بشكل يخدم الاقتصاد الوطني الإماراتي إذا أنشئ مركز الإيداع والقيد المركزي، بحيث يتم أيداع كل الشركات المغلقة والعائلية في المركز بموجب القانون، ثم يكون التداول عليها أمر في غاية السهولة، وحسب القواعد التي يمكن إقرارها في هذا الشأن.
 لا أريد  الخوض في القضايا  الفنية حول التعارض بين عمل البورصات ومراكز الإيداع ولكن أقول أن الصورة المثلى والمتوافقة مع المعايير الدولية هي أن يكون مركز الإيداع مستقل عن البورصة ويعمل كضامن للتسوية وحافظ للملكية ويسهر على تطبيق قواعد التسليم مقابل الدفع .