مع أن أغلب اقتصاديات المنطقة في وضع جيد، فإن البورصات العربية لا تعكس هذا الواقع وذلك لأسباب معروفة فالوضع الجيوسياسي في المنطقة والعالم ما يزال يلقي بظلاله على مختلف أنشطة الأعمال، ويشعر الجميع أن الاستقرار ما يزال بعيداً، يعزز ذلك أيضاً هشاشة الاقتصاديات العربية وسرعة تأثرها بالعوامل الخارجية وضعف الاقتصاد الحقيقي القائم على التنوع والمنافسة.
نحاول طرح واقع البورصات العربية وازمتها المستمرة منذ الأزمة العالمية لنتعرف واقع الحال التي تعيشها بورصات المنطقة.
هذا العام يحمل نوعاً من التفاؤل بأداء يبدو أنه أفضل من حيث الاتجاه العام، ولكن الأمر بحاجة إلى أكثر من مجرد التفاؤل. يحتاج أكثر إلى استيعاب الدرس القاسي ومعالجة مواطن الخلل قبل أن يتكرر السيناريو السابق للبورصات العربية.
ولكن ماذا في كل بورصة على حدا؟
البورصة المصرية
تحتل سوق المال المصرية طليعة أسواق المنطقة، فقد وصلت إلى 12000 نقطة على سلم مؤشرها الرئيسي في مايو 2008 ووصلت إلى 3622 نقطة نهاية عام 2011 . أي أن المؤشر خسر 70% من قيمته خلال ثلاث سنوات، ويوجد في البورصة 215 شركة، إلاّ أن العائد ظل عالياً، حيث بلغ 9.6% على السهم، مقارنة بأسواق المنطقة التي لم تتجاوز 3.5%.
بورصة السعودية
وصل مؤشرها إلى 20624 نقطة في فبراير 2008 وأقفل عام 2011 عند 6418 . أي أن المؤشر خسر خلال هذه المدة 69% من قيمته، ورغم أن البورصة السعودية هي أكبر سوق عربي من حيث الحجم والتداول، إلا أنها لا تعكس واقع الاقتصاد السعودي الأكبر عربياً، فعدد الشركات المدرجة 143 شركة فقط، ولكن هناك الكثير من التفاؤل بطرح اكتتابات جديدة هذا العام. وما يؤخر تطور هذه السوق القيود المفروضة على التملك والاستثمار الأجنبي المباشر.
بورصة الكويت
كغيرها من البورصات في المنطقة وصلت إلى أعلى مستوى لها 15615 نقطة في يونيو/حزيران 2008 ولم ترجع إلى ذالك المستوى وأقفلت في نهاية عام 2011 عند 5814 نقطة بمجموع خسائر للفترة الماضية بلغ 63% على المؤشر العام، ومع أن الكويت بلد يحقق فائضاً سنوياً بشكل مستمر ولديه أقدم بورصة خليجية ومدرج فيها 228 شركة وأغلب المواطنين يستثمرون في البورصة، إلا أن السوق الكويتية تعاني الكثير من المشاكل على مستوى الشركات وعلى مستوى تعثر المستثمرين، وذلك يعود إلى الضعف في أداء الاقتصاد بشكل عام والحاجة إلى تطوير النظم والقوانين وأعمال الشفافية.
بورصة قطر
وصلت إلى أعلى مستوى لها في يونيو/حزيران 2008 عند مستوي 12499 نقطة واقفلت في نهاية 2011 عند 8779 نقطة، وبالتالي فأن خسائرها بلغت 30% خلال تلك الفترة وتضم هذه البورصة 42 شركة مدرجة وتدار من قبل مجموعة نايزي يورنكست العالمية التي تدير بورصة نيويورك وعدد من البورصات الاوروبية . ولكن هذه الشراكة لم تمنعها ان تحذو حذو غيرها من بورصات المنطقة ولم تقدم إضافة جديدة لخدمة المستثمرين بسبب محدودية عدد الشركات المدرجة.
بورصة مسقط
لا تختلف سوق مسقط أيضا عن غيرها من الأسواق العربية فقد وصلت إلى أعلى نقطة في يونيو/حزيران 2008 عند 12068 نقطة وتراجعت لتقفل عام 2011عند 5695 نقطة، وبالتالي فقد خسرت خلال تلك الفترة 53% من قيمتها كما أنها خسرت 1000 نقطة كاملة خلال عام 2011 فقط . وتضم سوق مسقط 118 شركة مدرجة.
لم تعان السلطنة من مشاكل اقتصادية، إلا أنها شديدة التأثر بمحيطها كما أن هناك حاجة ماسة إلى جهد كبير للتعريف بالسوق ومكوناته ومعالجة الخلل بالجوانب التنظيمية والتشريعية .
البورصة الأردنية
وصل مؤشر البورصة إلى أعلى نقطة في يونيو/حزيران 2008 عند 5043.72 وأقفل نهاية عام 2011 عند 1995.13 بإجمالي خسائر 60% من قيمة المؤشر. ورغم أن الأردن لم يكن طرفاً في الربيع العربي، إلا أن البورصة التي تضم 275 شركة تأثرت بشكل كبير بالأوضاع الاقتصادية الصعبة لهذا البلد وخروج المستثمرين الأجانب وغلبة المضاربة في هذه السوق والتي تضم 65 شركة وساطة كما أن بعض الشركات المدرجة ذات علاقة ملكية وتبعية لبعضها البعض.
بورصة البحرين
وصل مؤشر سوق البحرين المالي إلى 2900 نقطة في يونيو/حزيران 2008 وأقفل في نهاية عام 2011 عند 1143.69 أي أن المؤشر خسر خلال تلك الفترة 60% من قيمته. سوق البحرين تضم 49 شركة تعد صغيرة الحجم وتأثرت سلباً بالأحداث السياسية التي وقعت هناك، بالإضافة إلى التأثيرات التي أصابت أسواق المنطقة بشكل عام.
بورصة أبوظبي
وصلت سوق أبو ظبي المالية إلى أعلى مستوى لها عند 5964.77 نقطة، واقفلت في نهاية عام 2011 عند مستوى 2402.28 نقطة بخسائر عن هذه الفترة بلغت 60% من قيمة مؤشرها، تضم هده البورصة 66 شركة مدرجة و87 وسيط مالي، ويتضح أن عدد الشركات المدرجة لايتناسب وقدرة الاقتصاد الإماراتي فسوقي أبوظبي ودبي تعانيان من ضعف الجاذبية للاستثمار والانخفاض في أحجام التداول، وتحول بعض المستثمرين وشركات الوساطة للأسواق العالمية.
بورصة دبي
السوق المالية الأكثر تأثراً في المنطقة العربية، حيث بلغت أعلى مستوى لها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2005 عندما وصل المؤشر إلى 8439 نقطة، وأقفلت نهاية عام 2011 عند 1353.390 . وبالتالي فإن مجمل الخسائر بلغت 84% من قيمة مؤشرها.
كان لتعثر ديون دبي وانكشاف العديد من المؤسسات المالية وان كانت تحت السيطرة، سبباً كبيراً في تراجع مختلف الأنشطة الاقتصادية في الإمارة، إلا أن شح السيولة كان السمة الأبرز في سوق دبي المالي.
هذه السنوات العجاف على أسواق المال العربية، قد تكون من أصعب الدروس الاقتصادية على المنطقة بالكامل، وما تزال أسواق المال في المنطقة بحاجة إلى مزيد من العمق من خلال إدراج شركات جديدة متنوعة النشاط، كما أ،ه هذه الأسواق مازالت تعاني من غياب الشفافية وعدم تنوع أدوات الدين وغيابها في معظم الأحيان.
والسؤال الذي يطرح نفسه، ما هو الحل أمام ما يحدث من تراجع في أسواق المال العربية التي ما تزال بعيدة عن وظيفتها في تمويل عملية التنمية ؟ هل نقف ونتابع حتى تنتهي الأزمات السياسية والاقتصادية بالمنطقة والعالم أم نحاول البحث عن حلول جدية ؟ أم نتفاءل بأن الأسواق سوف تتحسن بعد هذه الفترة العصيبة ؟
قد يكون من المناسب الآن مواجهة هدا الواقع بأجرات كثيرة، منها طرح برامج جديدة للخصخصة للشركات الحكومية الناجحة، فأسواق المال العربية مجتمعة لا يتجاوز عدد الشركات المدرجة فيها حاجز 1500شركة، في حين أن بورصة نيويورك لوحدها تضم أكثر من ثمانية آلاف شركة، وبورصة لندن تضم أكثر من ثلاثة ألاف شركة.
قد يكون العمل على أعادة هيكلة بعض الشركات المتعثرة أمر لابد منه، كما أن تلبية متطلبات الشفافية العادلة أمر في غاية الأهمية، وهنا أقصد ليس مجرد عرض البيانات الفصلية فقط. بل أن تكون هناك قواعد شفافية قانونية ملزمة وليست أختيارية كما هو الحال في معظم البورصات العربية. وتطبيق مبدأ التسليم مقابل الدفع والذي تعاني منه العديد من البورصات العربية يحول دون سهولة الدخول والخروج للمستثمرين، ويقف أمام ترقية العديد من أسواق المنطقة لمصاف الاسواق الناشئة، والتي تجتدب المستثمرين الآن مثل أسواق الصين والهند والبرازيل وغيرها كما أن تحسين أداء عمليات المقاصة والتسوية أمر ملح وما يزال بعيد المنال، فلا يوجد حتى الآن أي تنظيم أو تنسيق بين الأسواق العربية عبر مراكز الايداع للتسوية المتبادلة، وأن حدثت فهي تتم عبر الرابط الأوروبي لعمليات التسوية العالمية. كما أن الربط بين الأسواق وتمكين المستثمرين من التعامل عن بعد بشكل قانوني وسلس أمر غير موجود، فمن غير المنطقي أن تكون هناك صعوبات في الاكتتابات الجديدة للمستثمرين بالأسواق المتجاورة، بحيث يضطر المستثمر للسفر إلى بلد أخر حتى يشارك في اكتتاب معين، ولذلك تجد أن الاستثمار بالبورصات العالمية أسهل بكثير من الاستثمار بالبورصات العربية.
الحل ليس وصفة واحدة بل هو جملة من الإجراءات والعمليات الطويلة المدروسة والشاملة بهدف الرقي بالأسواق العربية لتعبر بواقعية عن الاقتصاديات العربية وعلينا أن لا نلقي باللوم علي الأزمات العالمية ونترك أزمتنا الحقيقية.
د سليمان سالم الشحومي
خبير اقتصادي، عضو هيئة أسواق المال العربية