قد يصاب أي إنسان بالدهشة عندما يعلم أن أكثر من نصف العاملين في العالم يشعرون بعدم الرضا عن عملهم ويرون أنهم موجودون فيه لأنهم مضطرون إلى ذلك فقط! فهل أنت راضٍ عن عملك؟ لا تستعجل الإجابة على هذا السؤال!
إن الموظف غير الراضي عن عمله شخص قليل المشاركة في كل ما يتعلق بهذا العمل، وهذا ما يجعله أقل إنتاجية وأقل ولاء لمؤسسته، فهل يقع اللوم في هذا على الموظفين؟ قد يكون الأمر كذلك بعض الشيء، ففي عالم يهتم كثيراً بالكفاءة الاقتصادية، يحب كل شخص أن يجد العمل الذي يناسبه، وتحب الشركات أيضاً أن تجد عمالاً وموظفين مناسبين لها.
وعندما يتجاوز الطلب على قوة العمل ما هو متوفر منها، يصبح أصحاب الشركات مضطرين إلى القبول بما يأتيهم، أما عندما يصبح الطلب قليلاً ويكثر الباحثون عن عمل فإن الموظف لا يملك مجالاً كبيراً للاختيار، هذا ما تفرضه السوق على الجانبين.
ومن المعروف أن خلق فرصة عمل جديدة يكلف مقداراً من المال يمكن حسابه وتحديده، لكن ما يصعب حسابه فعلاً هو ما يسببه عدم رضا الموظف من خسارة للمؤسسة بسبب تراجع الإنتاجية.
والآن، ما مقدار رضاك عن عملك أنت؟ يمكن أن نجد محامياً كبيراً لامعاً يكسب الملايين كل عام، وقد يكون هذا الشخص موضع إعجاب الآخرين أو حسدهم، لكن، إن كان هذا المحامي يكره عمله، فهل نستطيع اعتباره ناجحاً أكثر من سائق الباص الذي يشعر بالارتياح والسعادة في عمله رغم قلة دخله؟ في الحقيقة يمكن القول إن حالة المحامي تمثل فشلاً ذريعاً لأنه استهلك كمية كبيرة من الموارد المتاحة له حتى يصل إلى وضعه الحالي.
أما سائق الباص فقد يكون مجرد شخص يحب قيادة الباصات، لا أكثر، وهو سعيد لأنه يفعل ذلك الآن، ولا مجال للمقارنة بين حجم الموارد التي أوصلته إلى هذه السعادة وحجم الموارد التي استهلكها المحامي. النجاح أمر نسبي إذن! والناجح هو من يرى نفسه ناجحاً ويكون راضياً عن عمله.
هناك ثلاثة عناصر يجب التوقف عندها من أجل التمعن في مسألة النجاح في العمل، إنها الموهبة والطموح وأخلاقيات العمل، وذلك لا يعني أن لهذه العناصر أوزاناً متساوية.
الموهبة: من الواضح أن الموهبة أقل العناصر أهمية فيما يتعلق بتحقيق الرضا عن العم، انظروا من حولكم لتروا أن العالم مليء بأشخاص يستطيعون أداء العمل المطلوب منهم لكنهم لا يتمتعون بأي موهبة واضحة، وهذا لا يمنع كثيراً منهم من الشعور بالرضا عن أعمالهم، ولنلاحظ أننا نعيش الآن في عالم يقوم على الأتمتة التي لا تتطلب من معظم الناس إلا مهارات محدودة حتى يقوم بعمله.
الطموح: ثمة كثير من الالتباس فيما يتعلق باستخدام هذه الكلمة لأن الناس يمكن أن يصفوا محاسباً نشيطاً يريد أن يصبح مديراً للحسابات في الشركة بأنه شاب طموح، أما عندما يكون هذا الشخص راضياً بعمله الحالي ويفضل إنفاق وقته الفائض على نشاطات وعلاقات وهوايات تمنحه مزيداً من الرضا والسعادة، فإن أكثر الناس يعتبرونه شخصاً محدود الطموح أو من غير طموح على الإطلاق.
هل يعني هذا المثال أن الطموح لا علاقة له بالنجاح الحقيقي في العمل؟ يجد الموظفون أنفسهم أحياناً في وضع لا يحسدون عليه لأن الشركات والمؤسسات تستخدم أحياناً أسلوب "تحرك إلى الأعلى أو إلى الخارج"، أي أن الموظف يكون مطالباً دائماً بأن يطور نفسه ويترفع في السلم الوظيفي، أي أن عليه أن يكون طموحاً، وإلا فإنه يواجه خطر الفصل.
وهذا ما يجعله في حالة توتر دائم وسعي مستمر إلى تلبية ما تريده الشركة، من الواضح أن هذا لا يجعله سعيداً ولا راضياً رغم أن السير وفق خطة الشركة يحقق له مركزاً أعلى ودخلاً أفضل، الطموح هو أن تستطيع تحديد ما يعنيه النجاح بالنسبة لك وما هي كلفة هذا النجاح.
أخلاقيات العمل: لعل هذا هو العامل الأهم في مسألة النجاح في العمل، وهو عامل صعب القياس أو التقدير، ومن الممكن القول إن الناس لا يميلون إلى بذل جهد كبير من أجل النجاح في عمل لا يحبونه، وذلك بصرف النظر عن مقدار موهبتهم أو طموحهم، لكنهم يمارسون ذلك العمل وفق متطلبات لابد منها.
عندما يكون لديك حافز يجعلك تعمل بجد في أمر ما، فإن التوجه نحو تحقيق نتائج تدر عليك مالاً أكثر يصبح أسهل من ذي قبل، من الممكن أن ندرك أهمية أخلاقيات العمل من خلال المثال التالي: هناك طلاب مجدون في المدرسة أو الجامعة، وهناك طلاب "أذكياء".
وكثيراً ما يحدث أن يحقق المجدون نتائج أفضل من نتائج هؤلاء الأذكياء، وذلك رغم تواضع مواهبهم، إن الجد الذي يظهره هؤلاء في الدراسة يماثل ما تتطلبه أخلاقيات العمل في أي مؤسسة، وهو ما يضمن استمرار أداء العمل بشكل جيد، وبما أن هذا الجد جزء من شخصية الطالب أو الموظف، فمن المنطقي أن يكون الشخص المجد راضياً عما يقوم به، وهذا يعني أننا نستطيع اعتباره ناجحاً في عمله لأن أهم عناصر النجاح هو الإحساس بهذا الرضا.
إذا اجتمع لدى أحد الأشخاص كل من الطموح والموهبة، لكن من غير وجود أخلاقيات عمل جيدة، فإنه يكون مقصراً في المحصلة العامة رغم إمكانية تحقيقه نجاحات لامعة من وقت لآخر.
أما إذا اجتمع الطموح وأخلاقيات العمل من غير وجود الموهبة، فإننا نحصل على شخص يمكن أن يضل الطريق إلى السعادة والرضا بكل سهولة.
وإذا غاب الطموح رغم وجود الموهبة وسوية جيدة من أخلاقيات العمل فإن النتيجة تكون شخصاً يعمل بجد، لكن من غير هدف.
ومن المهم أخيراً أن ندرك أمراً واحداً: لا يكون النجاح نجاحاً إلا عندما يراه صاحبه كذلك، يمكن أن تشتري النقود كل شيء تقريباً، لكن أموال العالم كله لا تستطيع أن تجعلك سعيداً إذا كنت مضطراً إلى الذهاب في كل صباح إلى عمل لا تحبه، وهذا ما يلقي ضوءاً على حقيقة مؤسفة في عالمنا هذا: قد يظن المرء أن الناس يعتبرون الرضا والسعادة في العمل أهم شيء، هذا أمر منطقي، لكنه لا يحدث في أغلب الأحيان، نحن نركز على تلبية توقعات الآخرين أكثر من تركيزنا على تلبية توقعاتنا نحن، وهذا ما يجعل إحساسنا بالرضا أمراً شبه مستحيل.
والآن، هل أنت ناجح في عملك؟