تسجل

استعدوا لحقبة الغاز الذهبية

يعيش العالم الآن في خضم ثورة الغاز الطبيعي، ويتحدث الجميع عن "العصر الذهبي للغاز"، بمن فيهم الوكالة الدولية للطاقة، وإذا ثبتت صحة هذه النظرة المتفائلة، فإن آثار ذلك لن تكون أكبر بكثير من آثار "التفكك المؤلم" لمنطقة اليورو فحسب، بل ستكون آثاراً إيجابية من الناحية الاقتصادية أيضاً.
علينا أن نتذكر دائماً أن الحضارة الحالية قائمة على إمدادات الطاقة التجارية الرخيصة، ومن المتوقع أن يؤدي النهوض الاقتصادي للأسواق الناشئة حديثاً إلى ازدياد كبير في الطلب على الطاقة التجارية خلال العقود المقبلة. وهنا تأتي أهمية الغاز الطبيعي.
لقد بدأت هذه الثورة الجديدة أيضاً في الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان الأمر بالنسبة لمعظم الثورات التكنولوجية في القرن العشرين، وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن "استخدام الحفر الأفقي بالترافق مع تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي أدى إلى زيادة كبيرة في قدرة المنتجين على استخلاص الغاز الطبيعي من التشكيلات الجيولوجية ذات النفوذية المنخفضة".
وفي حين يعود تاريخ بعض هذه الابتكارات إلى فترة السبعينات، فإن إدارة معلومات الطاقة تشير إلى أن "إمكانية استخراج الغاز على نطاق واسع من الصخور الصلصالية لم تبدأ إلا بعد التجارب التي أجرتها شركة ميتشل إنرجي خلال الثمانينات والتسعينات لجعل استخراج الغاز من هذه الصخور حقيقة تجارية في ولاية تكساس،  أما الآن، فإن استخراج هذا الغاز، الذي يسمى الغاز الحجري، صار عنصراً مهماً من شأنه تغيير قواعد اللعبة فيما يخص سوق الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة".
وقد أدى هذا النشاط الجديد إلى زيادة استخراج الغاز الصخري في الولايات المتحدة من 0.39 تريليون قدم مكعب عام 2000 إلى 4.8 تريليون قدم مكعب عام 2010، وهذا ما يعادل 20% من إنتاج "الغاز الجاف" في الولايات المتحدة.
لكن القادم أكثر بكثير! تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية وجود "غاز صخري قابل للاستخراج من الناحية الفنية" تقدر كميته بأكثر من 860 تريليون قدم مكعب، وهذا بالمقارنة مع 273 تريليون من "الاحتياطي المؤكد" الموجود الآن.
 فإذا صدقت توقعات الإدارة فإن الغاز الصخري يمكن أن يمنح الولايات المتحدة ما يلزمها من الغاز مدة 40 عاماً وفق معدلات الاستهلاك الحالية.
كم تبلغ إذن احتياطات العالم من الغاز الحجري؟ لقد طلبت إدارة الطاقة الأمريكية من جهات استشارية إجراء دراسة تشمل 48 حوضاً لهذا الغاز في 32 بلداً،وكانت الإجابة أن الاحتياطي العالمي من الغاز الحجري "القابل للاستخراج من الوجهة الفنية" تبلغ 6600 تريليون قدم مكعب.
وكانت أكبر المكامن، خارج الولايات المتحدة، موجودة في الصين (458) وأستراليا (396) وكندا (388) وليبيا (290) والجزائر (231) والبرازيل (226) وبولندا (187) وفرنسا (180). لكن الدراسة لم تشمل عدداً من المناطق الواعدة، ومن بينها روسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا ووسط أفريقيا. وهذا ما يعني أن الاحتياطي العالمي الفعلي أكبر مما توصلت إليه الدراسة بكثير.
و تشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في تقريرها عن الطاقة العالمية لعام 2011 إلى أن "الغاز الطبيعي سيحظى بنسبة أكبر ضمن تشكيلة الطاقة العالمية في عام 2035" وسوف ينمو الطلب بنسبة 2% سنوياً حتى ذلك العام. وحتى وفق سيناريو أكثر تحفظاً فإن الطلب سيشهد نمواً لا يقل عن 1.7%، مما يعني 55% خلال هذه الفترة، وبالنتيجة فإن استخدام الغاز بديلاً عن مصادر الطاقة الأخرى، في التدفئة وتوليد الكهرباء خاصة، سيشهد زيادة كبيرة. وسوف يصبح منافساً حقيقياً للنفط والفحم الحجري.
إن استخدام الغاز بدلاً عن النفط والفحم أمر جيد من وجهة النظر البيئية لأنه لا يطلق من ثاني أكسيد الكربون إلا أكثر بقليل من نصف ما يطلقه الفحم ومن 70% مما يطلقه النفط، وذلك عند إنتاج الكمية نفسها من الطاقة.
أما ما يطلقه من أول أكسيد الكربون فهو خُمس ما يطلقه الفحم، فضلاً عن أنه لا يكاد يطلق شيئاً مذكوراً من ثاني أكسيد الكبريت. ويبدو أن الاندفاع نحو استخدام الغاز على نحو واسع يمثل حلاً ممتازاً بالنسبة للصين التي تشكو كثيراً من شدة التلوث الناجم عن استخدام الفحم.
هل تعتبر هذه المزية البيئية للغاز نقطة أساسية في صالحه؟ لعلها ليست كذلك لأن مقالة نشرت في مجلة سيانتيفك أمريكان عام 2011 تشير إلى أن "الحفر الأفقي يستهلك كميات هائلة من المياه والمواد الكيميائية، إلى جانب ضرورة وجود برك أو خزانات ضخمة لتخزين "المياه العائدة" الملوثة بالمواد الكيميائية". وهذا يعني وجود آثار بيئية سلبية واضحة لعملية الحفر. لابد إذن من إجراء تدقيق حقيقي في العمليات التكنولوجية التي تتضمنها هذه العملية.
إن مدى حكمة التقدم السريع في هذه التكنولوجيا على المستوى العالمي تعتمد على اعتبارات كثيرة. ومن أول هذه الاعتبارات مقدار الاستهلاك المتوقع للمياه، ثم تأتي قدرات الشركات المشغلة ومدى إمكانية الركون إليها. إضافة إلى ما يجب أن تتمتع به الجهات المنظمة من قدرات وصلاحيات، والفوائد الحقيقية الناجمة عن كميات الغاز الإضافية بالمقارنة مع ما توفره أشكال الوقود الأخرى، وهناك أيضاً مسألة أمن هذه الصناعة فضلاً عن ضرورة التوصل إلى معرفة أفضل بمختلف الآثار المحتملة للتكنولوجيا الجديدة.
نرى مما تقدم أن البحبوحة الرائعة التي يعد بها الغاز الطبيعي يمكن أن تكون "صفقة خاسرة"! ولابد من الاهتمام بتطوير التكنولوجيا الجديدة وجعلها أكثر كفاءة من الناحية البيئية لأن الكلفة البيئية ضمن الحسابات الحالية يمكن أن تكون باهظة فعلاً.