وجدت شركات كثيرة أن العمل عن بعد منتج بشكل أكبر من الحضور في المكاتب، ويمكنه خفض كثير من المصاريف التي تتطلبها الشركات والمؤسسات، وقد يستمر هذا العمل الذي فرضته جائحة كورونا بشكل كبير حتى بعد انتهاء الجائحة وقيودها وشروطها التي فرضتها على دوامات العمل والحضور.
وإلى جانب الجائحة توجد ظروف أخرى تُعطي فيزا "البدو الرحل" أهميتها، فقد بات التنقل حول العالم في زمن الاتصالات أكثر سهولة وبساطة، وبات السفر حاجة من حاجات الأعمال والترفيه على حد سواء، وهكذا يكون اجتماع هذه الظروف معًا، أي العولمة وثورة الاتصالات ووجود الكمبيوتر والتليفون المحمول لتسهيل العمل عن بعد من أي مكان تصل إليه شبكات الإنترنت مناسبة لمثل هذه الفيزا، ومعوضة للدول السياحية عن النزف الحاد في عدد السياح الذين زاروها خلال السنوات الثلاث الماضية.
وأطلق عليها اسم فيزا "البدو الرحل" Digital Nomad Visa، والمقصود بالبدو العاملين لحسابهم الشخصي أو "الفريلانسرز" أو أصحاب العمل الحر المنتج ماليًا، وقد جاءت فكرة هذا النوع من تأشيرات السفر بديلًا عن التأشيرة السياحية التي تراجعت بشكل كبير خلال جائحة كورونا.
إنه الوقت المناسب لفيزا البدو الرحل التي بدأت 30 دولة حول العالم بتطبيقها، لكن المشكلة الوحيدة والكبيرة التي يعانيها منح مثل هذه التأشيرات تكمن في أن برامجها ما زالت جديدة وغير مختبرة بشكل كاف، والتقديمات الإدارية ما زالت غير متناسبة مع الضجة الإعلامية التي رافقت الإعلان عنها، فالدول الراغبة في استعادة نشاطها السياحي عبر استقبال العاملين عن بعد من ذوي المدخول الثابت أو المحدد لم تحدد بعد مروحة المستفيدين من هذه التأشيرة، إذ إن التناول العام للفكرة قد يعني منح كل شخص تأشيرة دخول، طالما أنه يقوم بعمل حر.
وهذا يتعارض مع الفيزا السياحية التي من شروطها أن يكون السائح مالكًا لمبلغ معين من المال في حسابه المصرفي، وقد قام بحجز فندقي قبل السفر، وتمنح له الفيزا لمدة زمنية محددة لا تكون طويلة في العادة، وعليه أن يتقدم بأوراق وظيفية تؤكد أنه عائد إلى بلاده بعد انتهاء زيارته السياحية، وهذا ما يخالف فكرة تأشيرة البدو الرحل، إذ غالبًا ما يكون العاملون عن بعد أو العاملون لحسابهم الشخصي ليسوا سياحًا بالمعنى التقليدي، إنما محبون للسفر والتنقل والتعارف بمجتمعات جديدة من دون أن يكون مفروضًا عليهم مبالغ معينة بالعملات الصعبة، ليقوموا بصرفها في البلد المضيف، خصوصًا أن هذا النوع من العاملين لا يدخلون رواتب ثابتة ومحددة شهريًا، بل تتناسب مداخيلهم مع كمية العمل الذي يقدمونه، وهذه المشكلة في تحديد معنى العامل كـ "غجري".
وتُعرف تأشيرة "ديجيتال نوماد" باسم تأشيرة العمل المستقل أو تأشيرة العمل عن بعد، وهو نوع خاص من التأشيرات يصدرها البلد المضيف للمهتمين بالعمل من على أرضه مقدمًا للمستفيدين من تأشيراته الخدمات الكفيلة بالعمل عن بعد، من حسن الاستقبال والضيافة إلى البنى التحتية الخدمية، إلى الأسعار التي يمكن لهذا النوع من المسافرين تحملها، ومن هؤلاء مدونو الرحلات وأصحاب الأعمال المستقلة، والمغامرون وزوار الأقارب المهاجرين، وحتى الموظف المؤقت الذي يستدعى للقيام بمهمات محددة لمدة زمنية معينة. كل هؤلاء يمكنهم أن يكونوا من المستفيدين من تأشيرة "ديجيتال نوماد".
حاليًا هناك 30 دولة تقدم تأشيرة البدو الرقمية، منها جزر أنغيلا وأنتيغوا وبربودا وجزر الباهاماس وباربادوس وبرمودا وكابو فيردي وجزر كايمان وكوستاريكا وكرواتيا وكوراساو وجمهورية التشيك ودومينيكان وإستونيا وجورجيا وألمانيا وأيسلندا ومالطا والمكسيك ومونتسيرات والنرويج والبرتغال وجزر سيشيل وتايوان، وقد بدأ منح هذه التأشيرات منذ أغسطس (آب) 2020.
في الجزر، الدول الفاخرة سياحيًا في شرق البحر الكاريبي، التي تتمتع بالطقس الدافئ على مدار العام على الرغم من ارتفاع كلف العيش فيها، لأن هذه الدول تعتمد على استيراد البضائع على الرغم من اعتبارها ملاذًا ضريبيًا شهيرًا، فإن التأشيرة متاحة للرحالة الرقميين الفرديين والعائلات وطلاب الجامعات.
مدة التأشيرة تتراوح بين 91 يومًا و12 شهرًا، بكلفة 2000 دولار أميركي للأفراد والطلاب و3000 دولار أميركي لأسرة مكونة من أربعة أفراد.
وعلى الراغب في الحصول على هذه التأشيرة إثبات عمله عن بعد وحصوله على مدخول مالي من هذا العمل، أو عرض شهادة تأسيس لعمل جديد.
بالطبع لكل دولة متطلبات واحتياطات خاصة تتعلق بتدابير كورونا، مثل الحجز المسبق في موقع الحجر الصحي قبل الدخول، إضافة إلى قيود الدخول المفروضة على بعض حاملي جوازات السفر، أو عرض شهادة التلقيح الرسمية وغير ذلك من الشروط.
غالبًا ما يستخدم عدد كبير من البدو الرقميين، بخاصة أولئك الذين يقضون فترات قصيرة نسبيًا في البلدان المضيفة، التأشيرات السياحية أو برامج الإعفاء من التأشيرة للسفر.
الترحال الرقمي
من الناحية العملية المؤكد أن معظم البلدان لا تراقب نشاطك بشكل شامل بمجرد وصولك إلى وجهتك، ويبدو أنه من غير المحتمل أن تدخل السلطات المحلية إلى مقهى وتعتقل "البدو الرقميين" العاملين لحسابهم الخاص.
ومع ذلك، مع بدء ظهور التأشيرة الرقمية من المحتمل أن تصبح نقاط التفتيش على الحدود معنية أكثر بالاستفسار عن أنشطة الزائرين للتأكد أنهم لا ينتهكون شروط التأشيرات.
لكن الترحال الرقمي الذي قد يسهل عمل الموظفين أو العاملين لحسابهم إلا أنه قد يشكل تحديًا لأصحاب العمل والشركات، فمع تزايد الطلب على العمل عن بعد والاستقلالية في مكان العمل، فإن إدارة حركة الموظفين والعمليات عبر الحدود لمؤسسة أو شركة معينة بات يمثل مجموعة متنوعة من التحديات، بدءَا من الالتزامات الضريبية الدولية ومسائل قانون التأمين، إلى ضمان الكفاءات التشغيلية في مكان العمل والحفاظ على ثقافة مؤسسية صحية.
وهناك مشكلة أخرى وهي أن ما تعلنه المؤسسات الحكومية المعنية بالتأشيرة على مواقعها الإلكترونية قد لا يكون متناسبًا مع التطبيق على أرض الواقع، فالمعلومات المنشورة على موقع إلكتروني حكومي وعلى الرغم من دقتها لا تترجم مباشرة إلى تجربة سلسة لطلب التأشيرة والحصول على الموافقة عليها، بسبب النقص في المعرفة المؤهلة لموظفي التأشيرات للفصل في الطلبات الجديدة نسبيًا في معظمها.